مع تدهور الأوضاع الأمنية في سوريا, عاد الكثير من اللبنانيين الى ديارهم. القصة الأكثر مأساوية كانت تلك التي يعيشها الطلاب الجامعيون اللبنانيون الذين اضطروا مرغمين على العودة إلى وطنهم قبل انهاء دراستهم في الجامعات السورية. فبعد ان قضوا سنوات من العمل الجاد, وسط تضحيات كبيرة في سبيل نيل شهاداتهم, فها هم اليوم يواجهون معركة جديدة تضاف إلى معركتهم الأولى, مع النظام التعليمي اللبناني الذي لا يعترف بشهاداتهم إن لم يكونوا قد أنهوا تخرجهم, حتى ولو كانوا في سنواتهم الأخيرة.
يجد هؤلاء الطلبه اليوم أنفسهم عالقين بين مطرقة النظام اللبناني وسندان السنوات الجامعية في سوريا التي لا تتقبلها الجامعات اللبنانية. فالنظام اللبناني يعتبر أن الشهادات التي لم تكتمل حتى مرحلة التخرج لا تعتبر صالحة إلا إذا تم الحصول على شهادة بكالوريوس من الجامعات السورية.
طلابنا يعتبرون أن هذا الظلم من قبل الدولة اللبنانية بحقهم ضاعف المعاناة لديهم, حتى أن البعض منهم كان على وشك التخرج.
ما يواجهه الطلاب اليوم قرارٌ ظالمٌ يقضي بإعادة تسجيلهم في السنوات الأولى مجددا في الجامعات اللبنانية, وهذا غير مقبول حيث سيرغمون على البدء من عامهم الأول.
وهذه الأزمة لا تقتصر على ذلك, ففي حال قرروا إستكمال دراستهم في بلدان الخارج والالتحاق بمؤسسات تعليمية أخرى, فإنهم لن يستطيعوا مزاولة المهنة في لبنان إلا إذا كانوا قد أنهوا نصف سنوات تخصصهم في سوريا, والنصف الآخر في الخارج.
هذه الشروط القاسية تجعل من الاستحالة على الطلبه الذين يريدون استكمال تعليمهم في الخارج العودة إلى بلدهم لمزاولة عملهم في المستقبل.
وفي حديث مع أحد هؤلاء الطلبه اللذين تبقى لهم سنة واحدة فقط لإنهاء تخصصهم, يقول بحسرة ووجع: "وضعنا هذا الملف في عهدة المعنيين في الدولة اللبنانية, لكن للأسف, لم نحصل على أي رد حتى الآن. ظُلمنا من قبل دولتنا بشكل واضح, والقرار الأخير يعني أننا مضطرون لإعادة التسجيل في السنة الأولى, وهو قرار غير عادل بحقنا. أين سنواتنا التي مضت من عمرنا؟ نحن أضعنا كل هذه السنين في تعليمنا على أمل أن نحقق مستقبلاً أفضل, واليوم نُجبر على العودة إلى نقطة الصفر."
طالب آخر, قال: "نحن قرابة 250 طالبًا, وأغلبنا من ذوي الدخل المحدود. لهذا السبب كان خيارنا الذهاب للتعلم في سوريا, لأننا لا نستطيع التسجيل في جامعات لبنانية خاصة بسبب التكاليف المرتفعة. معظمنا في السنة الجامعية الرابعة او الخامسة, وكنا نأمل أن نتمكن من التخرج في القريب العاجل. ولكن مع تدهور الأوضاع في سوريا, وجدنا أنفسنا أمام واقع صعب للغاية. وما يزيد الطين بلة هو عدم تقبل الجامعات اللبنانية لشهاداتنا, ما يضعنا أمام خيارات قليلة ولا نعلم كيف نواجه هذا الموقف!." مضيفاً : "كان هدفنا من الدراسة في سوريا الحصول على تعليم جيد دون أن نُثقل كاهل عائلاتنا, ولكننا للأسف اليوم نواجه تحديات أكبر من أي وقت مضى. وتابع قائلاً: "البعض منا لم يتمكن من استرجاع أوراقه الجامعية من سوريا, وهذه مسألة تحتاج إلى تنسيق عاجل بين وزارة الخارجية اللبنانية والسورية, بالإضافة إلى وزارتي التربية والتعليم العالي في البلدين. فقد أصبحنا في وضع لا نعرف فيه كيف نتابع دراستنا أو حتى كيف نستعيد حقوقنا الأكاديمية. أوراقنا الجامعية أصبحت في أيدي الجامعات السورية التي لا نتمكن من الوصول إليها بسبب الأوضاع الحالية, ونحن بحاجة لتسوية هذه الأمور بشكل قانوني ومنظم, كي نتمكن من استكمال دراستنا في لبنان أو في أي بلد آخر, بدلاً من الوقوع في حلقة مفرغة من الإجراءات المعقدة."
وتابع الطالب: "هذه المسألة تتطلب تدخلًا سريعًا من المعنيين في لبنان وسوريا من أجل ضمان حقوقنا الأكاديمية, والتأكد من أن الإجراءات التي يجب أن نتبعها لا تضر بمستقبلنا. ونأمل أن تكون هناك خطوات حقيقية لحل هذه القضية التي تؤثر على مئات الطلاب اللبنانيين الذين ضحوا بالكثير من أجل إتمام دراستهم, لكنهم اليوم يعانون من هذه المعضلة التي لا ذنب لهم فيها."
وختم الطالب قائلاً: "نناشد جميع المعنيين بهذا الملف, وعلى رأسهم وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية, بتطبيق حلول منصفة تسمح لنا باستكمال دراستنا الجامعية من دون تحميلنا أعباء إضافية أو إضاعة سنوات من جهودنا. لا يعقل أن تبقى الدولة اللبنانية تضع العراقيل أمام شبابها, في الوقت الذي يجب أن تكون فيه خير من يقدم الدعم للطلاب الذين هم أساس نهضة البلاد."
من الواضح ان هؤلاء الطلبه لم يكونوا وحيدين في شعورهم بالظلم, حيث العديد من زملائهم يعانون الأمر نفسه, خاصة بعد سنوات طويلة من التحدي والضغوطات النفسية التي تعرضوا لها في ظل الظروف غير المستقرة في سوريا. هؤلاء الطلاب لا يريدون سوى الحصول على فرصة عادلة لاستكمال تعليمهم, و الدولة اللبنانية, بدلاً من الوقوف إلى جانبهم, تفتح أمامهم أبواب الظلم والمراوغة.
هذه الأزمة ليست فقط طلابية, بل هي أزمة وطنية بامتياز. فإذا كانت الدولة اللبنانية تسعى إلى تطوير المجتمعات عليها أن تبدأ أولًا بتوفير الفرص العادلة للطلاب الذين يواجهون تحديات كبيرة في سبيلهم الأكاديمي, وبدلاً من أن تغلق الأبواب في وجههم, على المسؤولين إيجاد الحلول التي تضمن لهم استكمال تعليمهم وفقًا للواقع الجديد المستجد الذي فرضته الظروف الأخيرة في سوريا.
ختاماً
المصلحة الوطنية العليا تستوجب بأن تتخذ وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان قضية طلابنا الاعزاء على محمل الجد, وتعمل على إيجاد الحلول الجذرية التي ترضيهم وتعيد الاعتبار لهم, عبر تأمين الفرص لمتابعة تعليمهم بشكل طبيعي دون المرور بأي من المطبات والعقبات غير المبررة التي قد تجبرهم على إعادة التسجيل في السنوات الدراسية الجامعية الأولى.
الاعلامي هادي حسين شكر

