ابحث عن

Saved articles

You have not yet added any article to your bookmarks!

Browse articles

انصاف العامل واجب أخلاقي ووطني- رصد نيوز

 

في خضمّ الأزمات المتلاحقة التي تعصف بلبنان, تقف الطبقة العاملة اليوم على حافة واحدة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث, منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في لبنان منذ 2019. لم تعد معاناة العامل اللبناني مجرّد مسألة تدنّي أجور, بل تحوّلت إلى صراع يومي من أجل البقاء في ظل انهيار شامل طال مختلف جوانب الحياة.

فقد أدّى التدهور الحاد في قيمة العملة الوطنية إلى تآكل غير مسبوق في القدرة الشرائية, حيث باتت الرواتب, مهما ارتفعت شكليًا, عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم. ومع إرتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات المتسارع, يجد العامل نفسه مضطرًا لتقليص إنفاقه على الضروريات, أو اللجوء إلى أعمال إضافية بالكاد تسدّ الفجوة المتزايدة بين الدخل والمصروف.

كما لا يمكن فصل هذه المعاناة الاقتصادية عن السياق الأوسع من عدم الاستقرار السياسي والأمني, الذي يزيد من هشاشة سوق العمل ويقوّض أي فرص حقيقية للنمو أو التعافي. فالمؤسسات تغلق أو تقلّص أعمالها, والاستثمارات تتراجع, فيما تتآكل فرص العمل بشكل مستمر, ما يدفع أعدادًا متزايدة من الشباب والعمال إلى الهجرة بحثًا عن أبسط مقومات الاستقرار.

الأخطر من ذلك, هو غياب السياسات العامة الفعّالة التي من شأنها حماية هذه الفئة الأكثر تضررًا. فالحلول المطروحة غالبًا ما تأتي متأخرة أو جزئية, أو غير قابلة للتطبيق, في ظل غياب رؤية اقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة, من إصلاح النظام المالي إلى تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.

أمام هذا الواقع, لم يعد السؤال كيف يمكن تحسين ظروف العمل فحسب, بل كيف يمكن إنقاذ ما تبقّى من كرامة العامل اللبناني, وإعادة بناء منظومة اقتصادية أكثر عدالة واستدامة. فاستمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الطبقة العاملة, بل يضع مستقبل البلاد بأكمله على المحك.

فالعامل ليس رقمًا في ميزانيات منهكة, بل هو ربّ عائلة وعماد الاستقرار الاجتماعي, وجسر عبورٍ يحفظ تماسك المجتمع بأكمله. وحين يُترك ليسقط, أو يُصرَف, أو يُختزل حقّه بحفنةٍ من المال, فإن ما يسقط معه ليس فردًا فقط, بل منظومة قيمٍ كاملة. فالكرامة لا تُجزّأ, والعدالة لا تُؤجَّل, ومن دون إنصاف العامل, لا قيامة لوطن ولا مستقبل.

لذلك, في عيد العمال العالمي, المتزامن مع بداية الشهر المريمي, لا يكفي أن نتمنّى, بل آن الأوان لكي يستعيد العامل اللبناني حقوقه كاملة غير منقوصة. آن الأوان أن يتوقّف هذا النزيف المفتوح في كرامته ولقمة عيشه, وأن تتحوّل قضيته إلى أولوية وطنية لا تقبل التأجيل أو المساومة. فإكرام العامل في مثل هذه الظروف ليس ترفًا ولا منّة, بل واجبٌ أخلاقي ووطني لم يعد يحتمل التأجيل.

مقالات ذات صلة